recent
أخبار ساخنة

الصياد و العفريت

الصفحة الرئيسية



"الصياد" و "العفريت"
 "الصياد" و "العفريت"


كان هناك   صياد   ينفرد بفقر مدقع له عائلة تعج بالأفراد،كان دائما يذهب لاصطياد السمك في البحر.ذات يوم ذهب إلى البحر و رمى شبكته و أخذ ينتظر و لكن بدون جدوى فعندما سحب الشبكة وجد فيها كلبا ميتا،و لم ييأس فأعاد رمي شبكته مرة أخرى و لكن هذه المرة قد وجد فيها قططا ميتة فراعه ما رأى،لقمة عيشه تنسحب أمام البحر الهائج و رزقه لا زال في السماء، الشيء الذي يدور في خلده هو ماذا سيقول لأفراد عائلته عندما سيعود و الرزق مفقود. 

أعاد الكرَّة و لم يجد في الشبكة سوى قمامات و روائح كريهة صعدت من أنفه إلى رأسه و كاد يفقد صوابه،فأخذ يصلي للخالق الرحمان و عاد لكي يصطاد للمرة الأخيرة فرمى شبكته و نبضات قلبه تدق بحزن، و لما سحبها وجد فيها قِدرا فلما فرك القِدر لكي ينظفه صعد دخان هائل فكاد يغمى عليه،سمع صوتا مروعا من أعلى يناديه أنا عفريت خادم من خدام سليمان عليه السلام و أنت قد أخرجتني من هذا القِدر لكي تحكم على نفسك بالإعدام.

عليك أن تختار طريقة موتك،يجب أن تختار بين الحرق و الذبح و الغرق،فصرخ   الصياد  ناظرا في وجه العفريت لماذا ستفعل بي هذا و قد أنقذتك؟ أنت ناكر للجميل،فرد عليه العفريت:أنت لا تعرف قصتي سأعيدها لك و بعدها ستموت حتما أيها  الصياد  المسكين,أنا عفريت من خدام  سليمان  عليه  السلام  لما كان يأمرني بأن أحضر شيئا كنت أضعه أمامه في لمح البصر و ذات يوم أصابني الغرور و سولت لي نفسي أن أنسحب من بين يدي سليمان عليه السلام و أقيم وطنا مستقلا للعفاريت ناسيا أن الله سبحانه و تعالى قد أعطى له سلطة عظمى و قوة يتحكم بها في الجن و هذا قضاء الله و قدره،فعاقبني عقابا شديدا لأنه سجنني في هذا القِدر حيث لا أقدر على الخروج منه و رماني في أعماق البحر و كلما مرت مئة سنة أقول في نفسي من سينقذني سأعطيه ما طلب من كنوز الدنيا و لكن مرت مئات السنين و لم يمد لي أحد يد المساعدة فواعدت نفسي أنه من وجدني و أنقذني سيختار طريقة موته حرقا أو ذبحا أو غرقا،و كنت أنت البئيس الذي وجدني و الآن ستموت حتما.

لم يستوعب  الصياد  ما حصل و ندم على تواجده في البحر و صار يرى شبكته لعينة حيث حذفت عليه مصيبة،خوفه صار رعبا يسري في دمائه و صدى صرخاته من أعماقه تدوي حتى كاد قلبه أن يسكت،فأخذ يفكر قليلا و قال للعفريت:كيف دخلت لهذا القدر و أنت عملاق هذا لا يصدق أنت عفريت كذاب و أفاق،أنت لست عفريتا أنت سوى جني صغير يأمل أن تعود إليه أمه لترضعه،لا زلت لم تُفطم فجُن جنون العفريت و قال:سوف أريك قدرتي،فصار دخانا و دخل للقدر و نسي أنه لا يمكن أن يخرج إلا إذا فرك الصياد القِدر.فضحك الصياد حتى استلقى على ظهره و قال للعفريت أيها الغبي أنت لا تعرف شيئا عن مكر البشر،فصار العفريت يبكي و يطلب السماح و العفو و أقسم بالله أنه لن يقتله لأنه إذا أقسم و لم ينفذ سيحترق،ففرك الصياد القدر و خرج العفريت للمرة الثانية.و أخذ يشكر الصياد الشكر الجزيل على إنقاذه.

 أعطى العفريت للصياد رِيَشا كثيرة و قال له:إن أحرقت ريشة واحدة ستجدني أمامك عل الفور و سألبي لك طلبك و بما أنك تريد أن تتعب لكي تحصل على قوتك فعليك أن تذهب لنهر السمك المسحور و تصطاد العديد من الأسماك هناك لكي تعطيها للملك فسيغدق عليك ذهبا و لؤلؤا و مرجانا و مالا.كاد الصياد أن يطير إلى الفضاء ليمسك النجوم بيده،فقد صارت له الدنيا تبتسم و تفتح الحياة له أحضانها.

ذهب الصياد و اصطاد السمك و ذهب إلى قصر الملك و قال للحاجب عندي هدايا لا تقدر بثمن أحضرتها بجهد و شقاء،أخبر الحاجب الملك بهذا فأمر بإدخال الصياد،و لما أطلعه هذا الأخير على السمك انبهر من روعة مظهرها فاشتهاها أن تكون على مائدة الطعام.أغدق الملك على الصياد من كنوزه الشيء الكثير.خرج  الصياد  و قلبه يرقص من نغمات نبضاته و صار نحو منزله و كرات دمه تحتفل في كل مكان من جسده و سعادة الدنيا ترتسم على وجهه.أمر الملك الطباخ أن يطهو السمك،فشرع الطباخ في طهو السمك و بينما هو يقوم بهذا سمع صرخة مدوية وراء الجدار و بعدها انشق هذا الأخير و خرج عفريت مرعب و قال:لماذا تطهو هذا السمك يا أحمق و بعدها أحرقه كله فعاد خلف الجدار و بعدها انسد هذا الأخير.فر الطباخ هاربا نحو الملك و لما أدخله لبلاطه حكى له القصة التي جرت له مع العفريت و لم يصدقه و أمر الحراس بسجنه،و صرخ بعلو صوته:أحضروا لي الصياد المخادع فلن أرحمه أبدا و سيرى قوة بطشي.

 أحضر الحراس الصياد للملك و كان الصياد منهارا يعتقد أن هذا اليوم سيكون آخر يوم في حياته،صرخ الملك في وجه الصياد و قال:إن أردت أن تبقى على قيد الحياة يجب عليك أن تحضر نفس السمك.خرج الصياد من القصر و على الفور أحرق ريشة من الأرياش فظهر العفريت و قال ماذا تطلب أيها الصياد،فرد هذا الأخير متلعثما إن الملك يطلب مني نفس السمك هل سأجد مثله في ذاك النهر؟ قال العفريت اذهب و لا تخف.وصل الصياد إلى النهر و رمى شبكته ليغرف مجموعة أخرى من الأسماك المبهرة و عاد إلى القصر مبتهجا،فأدخله الحاجب ليقابل مرة أخرى الملك ليعطيه السمك،و في اللحظة ذاتها أغدق عليه من كنوزه الشيء الوفير،فطار الصياد فرحا و ذهب إلى منزله و نشوة عارمة تعتري قلبه.

أمر الملك هذه المرة الوزير لطهو السمك،فدخل الوزير إلى المطبخ و شرع في طهو السمك و فجأة سمع صوتا مدويا وراء الجدار و بعده انفتح هذا الأخير و خرج عفريت كبير مخيف و قال:لماذا تتجرأ على طهو هذا السمك؟أحرق العفريت السمك و توارى وراء الجدار فانسد هذا الأخير.هرب الوزير مسرعا قاصدا بلاط الملك و عندما دخل أخذ يحكي قصته مع العفريت ولم يصدقه الملك و أمر بسجنه و نادى بإحضار الصياد مرة أخرى.حضر الصياد و أمره الملك بإحضار السمك المبهر،فما كان على الصياد سوى أن يحرق ريشة من الريشات و يحضر العفريت.على الفور رآه ممتثلا أمامه فقال له:هل يمكن لي أن أصطاد هذا السمك؟ فرد العفريت:اذهب فستجده في نفس المكان.

هرول الصياد إلى النهر و اصطاد السمك المسحور و عاد به إلى قصر الملك.خرج الصياد من القصر فرحا بما أعطاه الملك و اتجه نحو منزله.حمل الملك السمك إلى المطبخ و شرع في طهوه و بغتة سمع صوتا يصم الآذان وراء الجدار فانفتح هذا الأخير و خرجت هذه المرة ساحرة و قالت:لماذا تطهو هذا السمك؟و أحرقته على الفور و قفزت وراء الجدار فانسد هذا الأخير.لم يخف الملك لأنه كان شجاعا صنديدا و خرج على الفور من المطبخ و أمر بإخراج الطباخ و الوزير من السجن و إحضار الصياد لكي يسافروا ليعرفوا سر هذا السمك المسحور. اجتمع الكل في قصر الملك فأمر الملك بإعداد قافلة عظيمة للسفر.

انطلقت القافلة و حطت في كل مكان و كان الملك يسأل عن ماهية السمك المسحور و لكن دون جدوى.لقد مرت القافلة من أدغال و قفار و قابلت و حوشا ضارية كان الملك و جيوشه لها بالمرصاد.كان هذا الملك حكيما يسمع أكثر مما يتكلم و لكن عند خيانته يبطش بعدوه بطشة عظمى.أصاب العياء كل من في القافلة فصارحوا الملك بهذا فقد أصاب الكل الملل و اليأس.فكر الملك بالعودة من أجلهم و لكنه لا يقنط من رحمة الله.أخذ يتأمل الطبيعة في المكان الذي كان يتواجد فيه فلاحظ أن هناك شيئا كالبشر و لكن لا يتحرك رغم ظنه أن هذا لن يكون سوى صنما لكنه أخذ يجري ليصل لهذا الشيء فأذهله ما رأى.بشر كثير من حجر أمر الملك حاشيته بأن يواصلوا السير فدخلوا المدينة و عرف أن المدينة كلها تمتلئ بهذا البشر الحجر فأقاموا مخيما كبيرا.

و بينما نام الجميع خرج الملك للكشف عن سر هذه الأصنام،توغل داخل المدينة حتى وصل إلى قصر شامخ،وجد حرسا و لكن من حجر فدخل إلى القصر ،و بينما يتأمل في روعته و جماله سمع صوت إنسان يتلو سورا من القرءان و يبكي بشدة،فأخذ يقترب من الغرفة التي ينبعث منها ذاك الصوت الملائكي،تفاجأ بوجود رجل نصفه الأسفل من حجر و النصف الأعلى لا زال بشرا تشع فيه الحياة.سأل الملك ذلك الرجل عن أسباب هذا المسخ العجيب فاسترسل الرجل في حكايته و الدموع تنهمر على خده و قال:أنا ملك هذه المدينة و حاكمها المبجل أحببت فتاة رائعة الجمال و قد خدعني مظهرها و لم أهتم بجوهرها.لم أكن أعلم أنها ساحرة خليلة العفاريت،مرت السنوات الأولى على زواجنا دون أن ننجب أطفالا،كانت ترفض دائما هذا فدخل الشك في أعماقي فخافت من أن أكشف سرها فمسخت كل من في المدينة و حولتهم إلى حجر و لتعذيبي أكثر حولتني إلى هذا المسخ العجيب و تأتي دائما لجلدي بسوطها المؤلم.

خرج الملك متأثرا لسماعه هذه القصة الحزينة و قرر مواصلة البحث لمعرفة سر هذه الساحرة.تربص بها أمام القصر،دخلت و عذبت زوجها الممسوخ و خرجت و السعادة تجتاح قلبها.تبعها الملك حتى وصلت إلى كهف عظيم و اختبأ وراء الصخور ليرى ماذا سيجري،عانقت عبدا أسودا معلنة أنها تحبه و يمكن أن تبيد العالم من أجله و يا له من حب أعمى جنوني لساحرة تافهة ناكرة للجميل،أخذت تطلب من هذا العبد أن يتزوجها فوافق على هذا فأطرب سمعها فقالت له سأذهب لأتخلص من زوجي الحقير و أنشف ذاك النهر الذي يحتوي على السمك المسحور لأن فيه السمك الأصفر و الأبيض و الأسمر و الأحمر و الأسود حيث سحرت به العرق الأصفر و الأبيض و الأسمر و الأحمر و الأسود.سمع الملك كل ما قالت فهجم عليهما ليقسمهما إلى نصفين و انتهى حبهما الحاقد الملعون،لا يعتري هذا الحب إلا العقل المجنون و القلب الممتلئ بالظنون.عاد الملك و ودع سكان هذه المدينة المسحورة و حاكمها حيث رجعت الحياة إليها.و واصل سيره ليصل إلى مكان المخيم الذي تتواجد فيه حاشيته و أمرهم بالعودة لبلادهم.وصل الملك إلى قصره و جعل الصياد المسكين كبير الوزراء و مستشاره الخاص و أقاموا الحفلات و لم يعد بعدها في بلادهم مسكين أو فقير أو محتاج.


google-playkhamsatmostaqltradent